منهج إعداد المرأة

4

“النِّساء شقائق الرِّجال” كما جاء في الحديث الشريف، والمرأة إنسان متكامل له دوره الاجتماعي العام وحياته الفردية الخاصّة به، بحسب ظروفه الشخصية والاجتماعية، ومن هذا المنطلق نشير إلى خطأ كثير من برامج التربية وخطط إعداد المرأة التي تبتنى على أساس تهيئة المرأة لتكون زوجة وأُمّاً دون الالتفات بشكل أساس إلى إعداد المرأة لتكون “إنساناً” متكاملاً وسوياً ورشيداً لينهض بشؤونه الفردية ويقوم بتكاليفه الاجتماعية على أحسن وجه.
فإنّ مهام الزوجية والأُمومة – على رفعتهما وقدسيتهما وأهمّيتها – تمثِّل جزءاً من حياة المرأة ودوراً من أدوارها الشامخة التي تؤدّيها لا كل حياتها ولا جميع أدوارها.
فالمرأة مرأة قبل أن تكون زوجة وأُمّاً وبعد ما تكون زوجة وأُمّاً.
وقد تكون نساء كثيرات ولسبب أو آخر لم ولا يتزوجن وبالتالي لا يعني ذلك إلغاء دورهنّ العظيم في الحياة الإنسانية ولا ينقص ذلك من قيمتهنّ ولا يعيق نهضتهنّ وحركتهنّ باتّجاه التسامي والعلو والرفعة في الحياة الدنيا وكذا الآخرة.
كما إن كثيراً من الزوجات أيضاً لا يرزقن بأولاد ولا يعني ذلك أيضاً نقصاً في أنفسهنّ أو إعاقة لدورهنّ أو تأخراً في مسيرتهنّ، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا كنّ قد حرمن من رزق معيّن فقد يجعل الله فيهنّ خيراً كثيراً ويرزقهنّ أشياء أخرى لا توفق لها نساء كثيرات ممّن رزقهنّ الله الولد.
على أنّ مرحلة الأُمومة هي فترة مؤقتة من حياة المرأة الأُم قد تمتد من ولادة الطفل حتى بلوغه ورشده وهي لا تعني العمر كلّه.
ولماذا نركز على المرأة كزوجة وأُم ولا نركز على تربية الأولاد كأزواج وآباء؟ لعلّ ذلك ناتج عن النظرة الذكورية في تراثنا.
ولابدّ هنا نؤكِّد أنّ إعداد الأولاد ذكوراً وإناثاً لكي يكونوا أزواجاً موفقين وآباءً صالحين مسألة، وهي ضرورية ومفيدة، ومسألة التركيز والحصر الذي نوليه لدور المرأة في الزوجية والأُمومة مسألة أُخرى.
لأنّ هذا التوجه قد يخلق عند المرأة عقدة نفسية في حالة عدم زواجها أو عدم قدرتها على الانجاب فيولد عندها الشعور بالنقص والحقارة ويوهمها بالتخلّف عن ركب النساء ويؤدي إلى شقائها وتحجيم دورها في المجتمع وبذلك يخسر المجتمع طاقات مفيدة.
وعلى العكس من ذلك نجد في التاريخ أمثلة كثيرة لنساء لم يتزوجن أو لم يلدن وقدمن خدمات جليلة وقمن بأدوار عظيمة لأنهنّ شعرن بقيمتهنّ الإنسانية واستفدن من طاقاتهنّ الأُخرى المتنوعة والمتعددة.
والإشكال الثاني الذي يواجهه هذا النوع من الاعداد الأنثوي – الخاص – هو أنّ المرأة يتطلب منها – خصوصاً في الحياة المعاصرة – مواجهة المشاكل المختلفة وخوض تجارب الحياة في الدراسة والعمل… وحتى الزواج وتكوين الأُسرة وتربية الأبناء، يتطلب منها كل ذلك شجاعة وشهامة وعلماً وخبرة حياتية، كما هي للرجل، تتغلب بها على مشاكل الحياة وتواجه بها العقبات وحتى المزاحمات، بموقف شجاع وردّ فعل جريء، دون أي شعور بالضعف والانسحابية والانطوائية التي ربيت عليها النساء في السابق، واللاتي ربين ليبقين في البيوت بعيداً عن أيّة مواجهة أو احتكاك مع المجتمع.
وحتّى المرأة الزوجة والأُم تحتاج إلى أن تبني شخصيتها باستقلالية وكفاءة تمكنها من إدارة بيتها والتعامل مع زوجها بنجاح وتربية أبنائها واعدادهم للمجتمع بسداد ورشاد.
فهل الزوجة المدبّرة أفضل أم المهملة؟ وهل الأُم المتعلمة أفضل أم الجاهلة؟ وهل الزوجة والأُم المحترمة والقديرة في شخصيتها تؤازر الرجل وتربي أبناءها بشكل أحسن أفضل أم المرأة الضعيفة الخاوية؟
لذا كان من الضروري بمكان أن تتوجه برامج التربية والتعليم والخطط الإرشادية والتنموية للمرأة إلى إعدادها كإنسان بنّاء وخلاق وكفوء وفاعل في المجتمع… إنسان سوي ورشيد كسائر أفراد المجتمع ليتّخذ القرار الصائب ويختط طريقه السليم في الحياة، فإنّ المرأة، كما الرجل، كل مسؤول عن حياته في يومه وغده، في دنياه وآخرته، ولا يعذر الله تعالى ولا القانون المرأة في أن يتّخذ الغير لها قرار حياتها، أو يوجهها دون إرادتها واختيارها، بل “كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته”.
ويبقى إعداد المرأة لأن تكون زوجة أو أُمّاً، ربّما تتعلّمه المرأة بشكل طبيعي حين تكون متعلمة، كسائر دروس الحياة، وتختص به يوم تريد أن تكون زوجة، وكذلك الأمومة التي تحس بها وتتلمسها هي من المحيط الذي حولها وتعدّ لها الاعداد الخاص يوم فعلاً تريد أن تكون أُمّاً.

– خُلِقَ الإنسان ضعيفاً:
تقوم طريقة التعامل مع المرأة عندنا على أساس أنّ المرأة كيان ضعيف يحتاج إلى الحماية والرعاية دائماً وإلى الحصانة والصيانة باستمرار.
وتستند طريقة التعامل تلك إلى خلفيات تاريخية وثقافية تجتمع كلّها على أنّ المرأة لا يمكن لها أن تنهض بأمرها لوحدها وهي قد خلقت بجسم نحيف وكيان ضعيف ونفس رقراقة شفافة تتأثر بسرعة بالمؤثرات الخارجية والعاطفية، ولذا كانت المرأة بحاجة دوماً إلى مَن يقف إلى جانبها أباً أو أخاً أو زوجاً أو أبناء…
ولعلّ نظرة الضعف والعطف إلى المرأة تتكامل مع اعتقاد الناس بأنّ عقل المرأة ناقص وأنّ عملها محدود وهي متّهمة دوماً بالتبذير وعدم التدبير، ويستند بعضهم إلى أنّ المرأة لو كانت كاملة لبعثت نبيّاً أو جعلت إماماً.
وربّما كان للتعاطف مع المرأة ما يبرره إذا نظرنا إلى تاريخ المرأة وما تعرضت له من ظلم واضطهاد في مختلف المجتمعات، فكانت المرأة من غنائم الحرب الهامة التي تتسابق لاقتناصها الأيدي، كما كانت دائماً هدفاً للمجرمين والأعداء. ولم يكن الظلم يقتصر على الأعداء فهي مظلومة حتى في بيتها ومن قبل ذويها ومن ثمّ مجتمعها الذي يعتبرها هماً وعاراً ويجعلها مصدر الشؤم وأمّ المشاكل.
وكان من دوافع الجاهليين لوأد الأُنثى أنّهم كانوا يعتقدون بأن موتها أفضل من حياتها، لأنّها إذا ما أسرها الأعداء لينتهكوا حرمتها، تكون عليهم عاراً وشناراً وسُبة يعيّرون بها.
وليست الظروف اليوم بأفضل من أمس؛ فلا زالت المرأة تتعرّض لمختلف أنواع الظلم والاضطهاد في بقاع مختلفة من الأرض، شرقها وغربها، وتكفي نظرة واحدة لتجارة الرقيق النسائي شرق آسيا وغرب أوربا، حيث تحوّلت المرأة إلى دمية تتناولها الأيدي الشهوانية المتدنية بأرخص وأبشع صورة…
وفي الجانب الآخر من العالم ورغم كل قرارات حقوق الإنسان ومؤتمرات الدفاع عن المرأة… لا زالت المرأة في الغرب ضحية للإنسان الذي لا يعرف لنهمته وشهوته حدوداً ولا يحسب للآخرة حساباً، واحصائيات الاعتداء على النساء وحالات الاغتصاب واستعمال العنف معهنّ في تلك البلاد شاهد حي على أنّ المرأة لا زالت المظلوم والخاسر الأكبر في هذا العالم المادي بشقيه الشرقي والغربي.
على أنّ كل هذا لا يؤكِّد حقيقة أنّ المرأة ضعيفة وأنّها يجب أن تنشأ وتعد وتربى على أساس ضعفها وبالتالي تكريس وهنها واستدامة استغلالها، بل ربّما تشير لنا هذه الوقائع المختلفة من واقع المرأة المكلوم إلى العكس تماماً، وذلك بأن يتم إعداد المرأة وتعليمها وتربيتها لغرض دفع الظلم عنها وتهيئتها لمواجهة الاعتداءات التي تتعرّض لها بحزم وقوّة، خصوصاً أنّ المرأة كثيراً ما تكون لوحدها، دون أن يقف دونها الرجال، كما تتصوّره الصورة الذكورية، فالمرأة في كثير من الأحيان تمارس دور ربّ الأُسرة لفقد الزوج أو لتخليه عن دوره، وتركه لأُسرته، أو عدم كفاءة الزوج لمرض إو إدمان للمخدرات أو غيره، أو لعدم تواجده مع أُسرته لهجرة أو سفر أو سجن وغير ذلك من الظروف المختلفة.
كما أنّ واقع المرأة في العالم اليوم يشير إلى وجود نسبة كبيرة من النساء يعشن لوحدهنّ، أو مع نساء أُخريات، خصوصاً في المجتمعات الصناعية.
وكل ذلك يؤكِّد ضرورة إعداد المرأة كإنسان قوي وشجاع ومستقل وكفوء لإدارة حياته الخاصّة والعامّة.

– حول الفارق البيولوجي:
بقيت مسألة هامّة وهي تأكيد الفارقين بين الرجل والمرأة على أساس الفروق البيولوجية والسيكولوجية في أصل الخلق والتكوين بين الرجل والمرأة.
ولا شك بأنّه لا يوجد في العالم من ينكر وجود الفوارق البيولوجية، واختلاف التكوين الجسدي، ولكنّ الخلاف في آثار هذه الفوارق على أداء الرجل والمرأة…. فمنهم من يجعله مطلقاً فينظر إلى المرأة أنّها دون الرجل عقلاً وعلماً ونفساً وجسداً، فلا يمكن أن تنهض بمهامه، بل هي قاصرة تكويناً عن الكثير من المهام.
ولذا قاموا بتصنيف المسؤوليات والأعمال فجعلوا منها ما يختص بالرجال دون غيرهم ومنها ما هو مشترك وأُخرى هي مهام المرأة، وخلاصة رأيهم أنّ المرأة خلقت لتكون زوجة وأُمّاً ومربية أطفال ولشؤون المنزل بشكل عام.
وحرّموا عليها كثيراً من المهام كالقضاء والشورى، وبعضهم المشاركة في الحياة السياسية ترشيحاً وانتخاباً فضلاً عن الولاية العامّة ورئاسة الدولة.
ويخلق هذا الاتّجاه مزاجاً نفسياً واجتماعياً مؤداه عزل المرأة عن الأُمور العامّة وحجبها عن النشاطات السياسية وإبعادها عن شؤون إدارة المجتمع… “فالرجال قوّامون على النساء” في كل شيء، لا في شؤون الأُسرة فحسب، والمرأة ظل للرجل صوتها أخفض من صوته وعقلها دون عقله.
في المقابل نجد آراءً أُخرى بأنّ الاختلاف البيولوجي بين الرجل والمرأة اختلاف ذات تأثير وظيفي تخصصي خاص بأدائها الأُنثوي، كما هو حال الرجل الذي اختصّ تكوينه لأداء دوره الذكوري، أمّا الوظائف الحياتية العامّة فإنّ للرجل والمرأة على السواء الأهلية اللازمة لأدائها…
نعم، قد تكون قابلية الرجل لأداء بعض الأعمال أكثر من المرأة، كما إنّ المرأة قادرة على أداء أعمال أخرى بصورة أفضل، وهذا التفاوت في القابلية والقدرة لا يقتصر على وجوده بين الرجل والمرأة وإنّما هو أيضاً يلاحظ بين الرجل والآخر والمرأة والأخرى، سواءً بالاستعداد الذاتي بعوامل تكوينية ووراثية أم بأسباب تربوية، ومن خلال التدريب والتأهيل البدني والمهني والعلمي.
لذا قد نجد امرأة أقوى من كثير من الرجال كما قد نجد رجلاً أكثر ذوقاً وفناً من بعض النساء، وإن كانت الغلبة في القوّة للرجل والغلبة في الذوق والجمال للنساء.
وقد هيأت مناهج ووسائل التعليم والتأهيل الحديثة الامكانيات للمرأة لكي تنافس الرجل في كثير من الحقول التي كانت حتى الأمس القريب مقتصرة على الرجال.
لذا كان بناء مناهج إعداد المرأة قائماً بشكل كامل على أساس الفروق البيولوجية، وبالتالي بناء على الاعتقاد بضعف المرأة ووهن بنيتها، وكان ذلك قابلاً للنقد من عدّة جهات: أوّلاً من جهة عدم عموم هذه الفوارق ومحدودية آثارها على مستوى السلوك العام – لا الخاص للمرأة – ومن ثمّ إمكانية معالجة هذا الضعف أو ذاك بمناهج ووسائل تربوية تقويمية، وقد نجحت في كثير من الحالات، أضف إلى ذلك أنّه ربّما كان هناك ضعف حقيقي ولكن وجود تحديات كبيرة أمام المرأة فرضت عليها أو تتعرّض لها – دون رغبتها وإرادتها وخلافاً لطبيعتها – فإنّ هذه التحديات والظروف قد تتطلب إعداداً وتأهيلاً للمرأة يختلف عن السابق، فقد يتطلب هنا مثلاً تدريب المرأة رياضياً وتزويدها بفنون الدفاع عن النفس حتى تستطيع حماية نفسها، والدفاع عن ضعفها ضدّ الأقوياء الشرسين.
وليس هذا بدعاً، فقد كانت المرأة عبر التاريخ تدافع عن نفسها وبوسائل مختلفة، لم تقتصر على سكب الدموع وكسب القلوب كما يتصوّر، بل حتى القتال بأمضى سلاح، ولعل وجوب الجهاد الدفاعي على المرأة يدلّنا على وجوب تعلمها فنون الجهاد لتؤدي فريضته حين يتطلّب الموقف منها الجهاد.
بقيت في الموضوع مسألتان:
المسألة الأولى: أنّ المرأة تاريخياً ورغم الظلم الفردي والاجتماعي الذي تعرّضت له، لم يقتصر دورها يوماً ما على الزوجية والأمومة، كما يتصور، بل شاركت في الحياة العامّة وتحملت أعباء العمل وخاضت الحروب ودخلت الحياة السياسية، بل استلمت الحكم قديماً وحديثاً، وكان لها دور كبير في مسيرة الدعوات الإلهيّة وجزء لا يتجزّأ من حركة الأنبياء والأولياء (ع).
نعم، تحمّلت المرأة في مسيرة البشرية الكثير من الأعباء الكبيرة وقدمت العظيم من التضحيات الجسام، فكانت عبر التاريخ الأكثر عطاءً ولكنّها كانت الأقل أخذاً ومكتسبات.
المسألة الثانية: أنّ الواقع الذي نراه في بعض المجتمعات من ضعف المرأة وانسحاقها في كثير من المجتمعات ربّما كان ناشئاً من طبيعة الظروف التي تعامل فيها المرأة وضعف المناهج التربوية التي تمر بها.
فلربّما أنّنا لو اعتقدنا بضعف ذراعنا مثلاً وربطناها دوماً إلى خشبة أو غيرها لجبر ضعفها وتقويتها فإنّ هذه الحال لو استمرت ستؤدي قطعاً إلى أن تفقد الذراع المزيد من قوّتها وبالتالي ضمور عضلاتها وفقدها قدرتها على الحركة وحمل الأثقال.
أمّا إذا تركنا الذراع تتحرك بقوّتها الذاتية وغذيناها بما تحتاج إليه من غذاء ينميها وقمنا بمرانها فإنّها ستقوى يوماً بعد آخر لتستطيع حمل المزيد من الأثقال.
إذاً يجب إعادة النظر بمناهج إعداد المرأة لتكون أقرب إلى واقعها من جهة وأكثر ملاءمة لدورها الإنساني في الحياة وأكثر استعداداً على الدفاع عن نفسها حيث تطلب الواقع منها الدفاع.

المصدر: كتاب المرأة أزمة الهوية وتحديات المستقبل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.