فلسفة الحج في فكر الإمام الخميني

20

يعتبر الحج الأفضل من بين العبادات والمناسك الدينية. حيث قال الإمام الصادق (ع):”الحج أفضل من الصلاة والصّيام” (وسائل الشيعة، ج8، ص78)، لذلك فقد أُوصينا أن نقوم في شهر رمضان الكريم؛ شهر الطهارة والخلوص واستجابة الدعاء، بطلب الحج من الله سبحانه وتعالى في أدعيتنا وطلب حاجاتنا مع الكثير من التأكيد:”اللهم ارزقني حج بيتك الحرام” ليس في هذا العام فقط بل وفي كل عام “في عامي هذا وفي كل عام” وهذا دليل على عظمة الحج والأسرار الكثيرة المكنونة فيه. بدايةً من الأسرار الظاهرة من تجمع المسلمين ومواساتهم لبعضهم البعض وصولاً إلى التجارة والأسرار الخفية والحقائق القيمة المعنوية والسلوك الذي يبلغه بعض الحجيج ويعودون إلى ديارهم راضين مطهرين كطفل ولد حديثاً.

يقول الإمام الخميني(رض) المدرك لأسرار الحج والسالك في هذا الطريق المعنوي مخاطبا للمسلمين:

“إن أعظم آلام المجتمعات الإسلامية هي أنها لم تدرك لحد الآن الفلسفة الحقيقية للكثير من الأحكام الإلهية، وان الحج ورغم كل الأسرار والعظمة الكامنة فيه، لا زال باقياً بصورة عبادة جافة وحركات غير مجدية ولا مثمرة”

(صحيفة الإمام، ج21، ص75)

حيث يذهب كل عام الملايين من البشر إلى هذا السفر المعنوي والعبادي- السياسي لكن دون أن يجنوا أي معارف منه ويكفتون فقط بالحركات والأعمال الظاهرية منه، في حين لا يتدبرون في القضايا المعنوية الكثيرة فيه ولا يدركون المشاكل الكثيرة التي يعاني منها المسلمون.

من خلال النظر في كلمات ورسائل مؤسس الجمهورية الإسلامية الايرانية التي تصدر كل عام مخاطبة المسلمين في العالم، تتوضح جوانب الكثير من الأسرار المكنونة في الحج، من قبيل ما جاء في كلام الرفيع:

سنوياً يذهب الملايين من المسلمين إلى مكة، ويخطون في المكان الذي خطى فيه الرسول وابراهيم واسماعيل وهاجر، لكن دون أن يسأل أحد منهم من كان ابراهيم ومحمد عليهما السلام وماذا فعلوا؛ وماذا كان هدفهم؛ وماذا الذي كانوا يريدونه منا؟ (صحيفة الإمام، ج21، ص78)

حينما يتهافت المسلمون من جميع أنحاء العالم الإسلامي متوجهين إلى مكة والمدينة، الله هو الذي يعرف ما يجول في قلوبهم وأرواحهم. ويعرف ما في أذهانهم حول رسول الإسلام وابراهيم الخليل عليهما السلام. هل عرفوا طريق وسلوك النبي؟ هل يعرفون التاريخ المؤلم الذي عاشه الرسول (ص)؟ هل يعرفون آلام النبي وأوجاعه حول قضية الحفاظ على الإسلام والقرآن وصحوة المسلمين؟ هل يدركون أساس بعثة النبي ودعوته إلى التوحيد؟ من ناحية أخرى هل يدركون كيف يمكن الوصول بالسير إلى الله الخاص بالأنبياء والأتقياء إلى درجة التعالي من خلال الحج وأين يوصل الإنسان المسلم والمتعلق بالله والنبي؟ وماهي الآداب للوصول إلى درجة الكمال؟ إن الحج هو مكان لبناء الذاتوالتخلي عن الغرور والتكبر والأنانية، كيف أن المستكبرين هم المستفيدون من هذه المراسم العظيمة؟ لما لا يتدبر المسلمون ويفكروا بما ينبغي عليهم أن يفعلوا كي يصلوا إلى حقائق الإسلام؟ وما هو السبيل للتحرر من المعادين للإسلام والمتظاهرين بالإسلام والحكام الظالمين؟ والعشرات من الأسئلة الأخرى.

يقول الإمام الخميني من خلال نظرته إلى فلسفة الحج ومكانة مناسكه:

” عندما يقف الحجاج في المواقيت الالهية والمقامات المقدسة في جوار بيت الله تعالى المبارك ينبغي ان يراعوا آداب الحضور في محضر الله المقدس وان لا تتعلق قلوبهم باي شي‏ء غير الحق وتتحرر من كل ما هو غير حبيب وان تتنور بانوار التجليات الالهية حتى تتجمل هذه الاعمال ومناسك السير الى الله بمحتوى الحج الابراهيمي ومن ثم الحج المحمدي وان يعودوا الى أوطانهم سالمين من ايام الانانية يحملون معهم زاد معرفة الحق وعشق المحبوب”

صحيفة الإمام، ج16، ص384

وهكذا فإن إمام السالكين يدعو المسلمين إلى حقيقة الحج التي بيّنها ابراهيم الخليل ونبي الرحمة محمد بن عبد الله (ص)، للناس. ويبعدهم عن مظاهر الشرك والتبعية. ويحذرهم ويوصيهم بالبقاء إلى جوار رحمة الحق جل وعلا وأنه من اللائق التبدر بالحق تعالى والرحيل إليه.

إن ما جرَّ الإنسان في أيامنا هذه إلى حافة الهاوية والبؤس وجعله عبداً وتابعاً للآخرين حتى ابتعد لهذه الدرجة عن هويته وأصبح تائهاً وحيراناً في الصحاري المظلمة يعاني من الآلام والمصائب، ليس سوى الأنانية التي سكنت الجميع من البشر وجعلت المستكبرين أكثر تصميماً على إذلال الناس وجرّهم لطاعتهم. وهذا الأمر من القضايا البارزة للحج حيث دعا الله سبحانه وتعالى المسلمين إليه وطلب منهم خلع كل نوع من ألبسة الاستكبار والأنانية والتكبر والتواجد فيه متساويين مع بعضهم البعض وبقلب واحد. كما قال سماحة الإمام (س):

إن جميع جهود الأنبياء ابتداءً من آدم وصولاً إلى خاتم النبيين كانت لهذا الغرض وهو السير إلى الله سبحانه وتعالى. وتحطيم أصنام وأوثان النفس التي تعتبر أكبر الأوثان، وعلى أثر ذلك تحطيم الأوثان الأخرى. (صحيفة الإمام، ج15، ص51)

بحق إن الحج هو السبيل إلى الله سبحانه وتعالى والسير نحوه والتخلي عن كل شيء سواه.

والشيء الذي يسير بالإنسان إلى ضيافة الله هو التخلي عن كل شيء سوى الله (نفس المصدر، ج18، ص490)

ومن جهة أخرى فإن بيت الله هو بيت الناس، ومناسكه أيضاً هي مناسك الحياة، ومناسك الحج هي سير حياة الإنسان من اللاشيء نحو كل شيء والعودة إلى الله.

قال الإمام الخميني (رض) في كلام لطيف وروحي:

الحج تجلي وتكرار تجسيد مظاهر العشق في حياة الإنسان والمجتمع المتكامل في الدنيا. ومناسك الحج هي مناسك الحياة”

(صحيفة الإمام، ج21، ص73)

 

* بقلم: حجت الاسلام والمسلمين الشيخ حسن بويا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.